ابراهيم بن محمد البيهقي
192
المحاسن والمساوئ
أحلامهم وقديم علم تدارسوه من آبائهم ، وإن الصنيعة مرفوعة والصلة موضوعة والهمة مكروهة والصدقة منحوسة والتوسع ضلالة والجود فسوق والسخاء من همزات الشياطين ، وإن مؤاساة الرجل أخاه من الذنوب الموبقة وإفضاله عليه من إحدى الكبائر ، وإن اللّه عز وجل لا يغفر أن يؤثر المرء في خصاصة على نفسه ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ، ومن آثر على نفسه فقد ضل ضلالا بعيدا وخسر خسرانا مبينا ، كأنه لم يسمع بالمعروف إلا في الجاهلية الذين قطع اللّه أدبارهم ونهى جل اسمه عن اتباع آثارهم ، وإن الرجفة لم تأخذ أهل مدين إلا لسخاء كان فيهم ، وإن الريح العقيم أهلكت عادا وثمودا لتوسع كان فيهم ، وهو يخشى العقاب على الإنفاق ويرجو الثواب على الإقتار ويعد نفسه العقوق ويأمرها بالبخل خيفة أن تمر به قوارع الدهور وأن يصيبه ما أصاب القرون الأولى ، فأقم ، رحمك اللّه ، بمكانك واصبر على عسرك لعل اللّه أن يبدلنا وإياك خيرا منه زكاة وأقرب رحما . ومنه فن آخر ، وصف أعرابي رجلا فقال له : بشر مطمع ومطل موئس ، فأنت منه أبدا بين اليأس والطمع ، لا منه مريح ولا بذل سريح . وقال أعرابي : أنا من فلان في أماني تهبط العصم وخلف يذكر العدم ، ولست بالحريص الذي إذا وعده الكذوب أعلق نفسه لديه وأتعب راحلته إليه . وذكر أعرابي رجلا فقال : له مواعيد عواقبها المطل وثمارها الخلف ومحصولها اليأس . ويقال : سرعة اليأس أحد النجحين . وقال بعضهم : مواعيد فلان مواعيد عرقوب ، ولمع الآل ، وبرق الخلب ، وأماني الكمون ، ونار الحباحب ، وصلف تحته راعدة . ولبعض الكتاب فصل في هذا المعنى : أما بعد فإن كثرة المواعيد من غير نجح عار على المطلوب ، وقلتها عند الحاجة مكرمة من صاحبها ، وقد رددتنا في حاجتنا هذه مع كثرة مواعيدك من غير نجح لها حتى كأن قد رضينا بالتعلل بها دون النجاح ، كقول الأول : لا تجعلنا ككمّون بمزرعة * إن فاته الماء أروته المواعيد ولآخر منهم : ما رأيت مثل طيب قولك أمره سوء فعلك ، ولا مثل بسط وجهك خالفه ضيق تنكيدك ، ولا مثل قرب مواعيدك باعدها فرط مطلك ، ولا مثل أنس بديهتك أوحش منه قبيح عواقبك ، حتى كأن الدهر أودعك لطيف الحيلة بالمكر بأهل الخلة ، وكأنه زينك فيهم بالخديعة لتدرك منهم فرصة الهلكة . وقد قيل : وعد الكريم نقد وتعجيل ، ووعد اللئيم مطل وتأجيل .